الاستشارات

مليار وجبة موقوفة من دبي إلى العالم

انطلقت الأعمال الإنشائية في مرغم لأكبر وقف صناعي من نوعه في العالم. ما الذي سينتجه، ومن يقف خلف الشراكة الحاملة له، ولماذا تمثّل بنيته الوقفية وجه التميّز فيه.

10 أغسطس 20263 دقائق للقراءة
وضع حجر أساس مصنع تمور مليار وجبة في دبي بواسطة مبادرات محمد بن راشد وعزيزي للتطوير.

انطلقت في منطقة مرغم بدبي الأعمال الإنشائية لمشروع «مصنع المليار وجبة للتمور»، الذي أطلقه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، ليكون أكبر مشروع وقفي من نوعه على مستوى العالم. وعند إنجازه في عام 2027، سينتج التمور ويغلّفها لأغراض إنسانية بطاقة تصل إلى 150 مليون وحدة غذائية سنويًا.

حجم المشروع ظاهر للعيان. أما بنيته فتستحق قدرًا مماثلًا من التأمل، لأن فيها يكمن وجه تميّزه الحقيقي.

ما معنى الوقف الصناعي

الوقف حبس للأصل عن التصرف فيه على وجه الدوام. فمتى وُقف الأصل امتنع بيعه وتوريثه وتحويل وجهته، وبقي محبوسًا على التأبيد، تُصرف منفعته إلى الغرض المحدد له ما دام الأصل قائمًا. وهو نظام عريق، حمل عبر القرون المساجد والآبار والمكتبات والمستشفيات إلى أجيال لم تلتقِ يومًا بمن أنشأها.

وما يميّز هذا المشروع طبيعة الأصل الموقوف ذاته. فليس مبنى يدرّ أجرة، ولا مالًا يدرّ عائدًا، بل مصنعًا يدرّ غذاءً. وطاقته الإنتاجية مسخّرة بالكامل، مئة في المئة، لخدمة العمل الإنساني.

والفارق بين هذا وبين التبرع هو الفارق بين المبلغ والمنبع. فالتبرع يُبذل مرة ويُنفق مرة. أما وقف من هذا الطراز فينتج في العام التالي، ثم في الذي يليه، ويظل ينتج بعد أن تكون مناسبة تأسيسه قد صارت خبرًا مسجّلًا. إنه يحوّل النية الخيرية إلى طاقة إنتاجية، ويحوّل الطاقة الإنتاجية إلى ديمومة.

قال معالي محمد عبدالله القرقاوي، الأمين العام لمؤسسة «مبادرات محمد بن راشد آل مكتوم العالمية»: «تدشين الأعمال الإنشائية لمصنع المليار وجبة للتمور، أكبر مشروع وقفي من نوعه عالمياً، هو رسالة إنسانية تفيض بالخير من الإمارات».

ماذا سينتج المصنع

سينتج المصنع سنويًا 150 مليون وحدة من التمور المدعّمة بالفيتامينات والمعادن الأساسية، بتركيبة موجّهة إلى معالجة سوء التغذية لا إلى سدّ الجوع وحده. والتفريق بينهما جوهري في العمل الإغاثي: فإيصال السعرات وإيصال التغذية ليسا إنجازًا واحدًا، والثاني أصعب تحقيقًا على نطاق واسع بمراحل.

والتمر مؤهل لهذه المهمة على نحو بديع. فهو يُحفظ من دون تبريد، ويحمل طاقة عالية في حجم صغير، ولا يحتاج إلى إعداد ولا إلى طهي، وهو مألوف في كثير من المناطق التي تشتد فيها الحاجة إلى الإغاثة. وتدعيمه غذائيًا يحوّل غذاءً يُحسن السفر أصلًا إلى وجبة متكاملة تُحسن السفر كذلك.

متجذّر في الأرض الإماراتية

سيعتمد المصنع كليًا على التمور المحلية مادةً خامًا. وهو خيار يفتح سوقًا مستدامة أمام المزارعين المواطنين، ويولّد حافزًا للاستثمار في توسيع الرقعة الخضراء في الدولة.

وبذلك تتبدّل مكانة النخلة نفسها. فبعد أن كانت رمزًا تراثيًا ومسألة أمن غذائي محلي، تغدو موردًا إنتاجيًا ذا امتداد عالمي، يغذّي سلاسل إمداد إنسانية تنطلق من أرض الإمارات.

شراكة أدوار متكاملة

يجمع المشروع ثلاث مساهمات، تؤدي كل واحدة منها ما لا تستطيع الأخريان أداءه.

الرؤية والمظلة لمؤسسة «مبادرات محمد بن راشد آل مكتوم العالمية». وتكلفة الإنشاء البالغة 200 مليون درهم التزم بها رجل الأعمال مرويس عزيزي، رئيس شركة Azizi Developments، الذي وصف التزامه بأنه رسالة تضامن مع الجهود الدولية للقضاء على الجوع، ورأى في المصنع تجسيدًا للشراكة الاستراتيجية في مواجهة تحديات الأمن الغذائي العالمي. أما الخبرة التشغيلية فتحملها شركة تمور البركة.

وهذا الترتيب نموذج في تكامل الأدوار: رؤية مؤسسية، ورأس مال خاص، ومعرفة عملية بما يتطلبه تشغيل منشأة صناعية على الوجه الأمثل.

تحت مظلة أوسع

أُنشئت مؤسسة «مبادرات محمد بن راشد آل مكتوم العالمية» في عام 2015 لتضم المبادرات والمؤسسات التي رعاها سموّه على مدى أكثر من عشرين عامًا. وينضوي تحتها اليوم أكثر من 30 مبادرة ومؤسسة، تعمل ضمن خمسة محاور: المساعدات الإنسانية والإغاثية، والرعاية الصحية ومكافحة المرض، ونشر التعليم والمعرفة، وابتكار المستقبل والريادة، وتمكين المجتمعات.


نحن بيت استشارات عقارية، والمباني هي ما نُعنى بالنظر إليه. وهذا المبنى جدير بالنظر لما سيخرج منه لا لما سيملؤه. فطابع المدينة يُبنى من مشاريع كهذه بقدر ما يُبنى من أبراجها، وهو جزء مما يختاره كل من يقرر أن يتخذ من هذه المدينة موطنًا.